منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
منتديات يا حسين .. الصفحة الرئيسية
موقع يا حسين  
موقع يا حسين
الصفحة الرئيسية لموقع يا حسين   قسم الفيديو في موقع يا حسين   قسم القرآن الكريم (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم اللطميات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم مجالس العزاء (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم الأدعية والزيارات (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم المدائح الإسلامية (تسجيلات صوتية) في موقع يا حسين   قسم البرامج الشيعية القابلة للتحميل في موقع يا حسين
العودة   منتديات يا حسين > الحوار الإسلامي > منتدى الفقه
اسم المستخدم
كلمة المرور
التّسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع طريقة العرض
قديم 28-01-2016, 11:47 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 28-07-2018 11:58 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 20

- أقسام النسخ:
ذكر الباحثون والمحقّقون ثلاثة أقسام للنسخ، هي:
أ- نسخ الحكم والتلاوة معاً: وهو زوال آية من القرآن ذات حكم تشريعي، تداولها المسلمون الأوائل وقرأوها وعملوا بحكمها، ثمّ نُسِخَت وتعطّل حكمها وزالت من القرآن. ومن الأمثلة التي أوردوها على وقوع هذا القسم من النسخ: ما روي عن عائشة أنّها قالت: كان في ما أُنزِلَ من القرآن (عشر رضعات معلومات يحرّمن)، ثمّ نسخنَ بخمس معلومات، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهنّ في ما يُقرأ من القرآن1.

وهذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن للأمور التالية2:
- إجماع المسلمين على عدم ثبوت النسخ بخبر الواحد.
- ابتلاء أغلب هذه الأخبار التي تتحدّث عن وقوعه بالضعف والإرسال.
- القرآن الكريم لا يثبت بأخبار الآحاد.
- استلزام هذا القسم من النسخ للتحريف بالنقيصة.

ب- نسْخ التلاوة دون الحُكم: وهو زوال آية من القرآن قرأها المسلمون الأوائل

305
وعملوا بحكمها، ثمّ نُسِيَت وزالت من القرآن، مع بقاء حكمها معمولاً به. ومن الأمثلة التي أوردوها على هذا القسم من النسخ: ما رواه زر بن حبيش، قال: قال لي أُبَي بن كعب: كم آية تعدّ سورة الأحزاب؟ قلت: اثنتين وسبعين آية، أو ثلاثة وسبعين آية. قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة، وإنّا كنّا لنقرأ فيها آية الرجم. قلت: وما آية الرجم. قال: (إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)3.

وهذا القسم من النسخ غير واقع في القرآن للأمور التالية4:
- منافاة هذا النسخ لمصلحة نزول الآية, إذ لو كانت المصلحة الّتي كانت تقتضي نزولها هي اشتمالها على حكم تشريعيّ ثابت، فلماذا تُرفَع الآية وحدها، مع كونها سنداً للحكم الشرعي المذكور؟
- ابتلاء أغلب هذه الأخبار التي تتحدّث عن وقوعه بالضعف والإرسال.
- القرآن الكريم لا يثبت بأخبار الآحاد.
- استلزام هذا القسم من النسخ للتحريف بالنقيصة.

ج- نسْخ الحُكم دون التلاوة: وهو بقاء الآية ثابتة في القرآن يقرأها المسلمون عِبر العصور، مع زوال حكمها بعد أن عمل بها المسلمون فترة من الزمن, بفعل مجيء الناسخ القاطع لحُكمها.

وهذا القسم من النسْخ هو المعروف بين العلماء والمفسّرين، واتّفق الجميع على جوازه إمكاناً، وإن اختلفوا في وقوعه فعلاً، حيث ذهب البعض إلى أنّ في القرآن آيات ناسخة وآيات منسوخة5.

306
2- أنحاء النسخ:
اختُلِفَ في أنحاء نسخ القرآن على أقوال متعدّدة، يمكن إيجازها ضمن التالي:
أ- نسخ القرآن بالقرآن: وقد اتّفق الباحثون والمحقّقون في إمكانية وقوع هذا النحو من النسخ، واختلفوا في فعلية وقوعه على أقوال6، يمكن إيجازها بالتالي:
- نسخ مفاد آية بمفاد آية أخرى، مع كون الثانية ناظرة إلى الأُولى ورافعة لحُكمها بالتنصيص، ولولا ذلك لم يكن موقع لنزول الثانية وكانت لغواً. مثال: آية النجوى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ...7 التي أوجبت التصدّق بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، ونَسخَتها آية الإشفاق: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ8. وهذا النحو لم يختلف فيه أحد.

- نسخ مفاد آية بمفاد آية أخرى، من دون أن تكون إحداهما ناظرة إلى الأخرى، مع وجود تنافٍ بينهما، بحيث لم يمكن الجمْع بينهما تشريعياً, فتكون الآية الثانية المتأخّرة نزولاً ناسخة للأُولى. ويشترط في صحّة هذا الوجه من النسخ9:
- وجود نصٍّ صحيح وأثر قطعيّ صريح يدعمه الإجماع, إذ من الصعب جدّاً الوقوف على تاريخ نزول آية في تقدّمها وتأخّرها.
- وجود تنافٍ على وجه التباين الكلّي بين مفاد الآيتين. وهذا لا يمكن القطع به بين آيتين قرآنيّتين سوى عن نصّ معصوم, لأنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ومحكَماً ومتشابهاً، وليس من السهل الوقوف على كُنه آية مهما كانت محكَمة.

307
ب- نسخ القرآن بالسنّة: وقد اختُلِفَ في إمكانية وقوع هذا النحو من النسخ10, فذهب البعض إلى عدم إمكانية وقوعه, نظراً لكونه مخالفاً للأخبار المتواترة بعرض الأخبار على الكتاب وطرح ما خالفه والرجوع إليه11. وذهب آخرون إلى إمكانية وقوعه, لأنّ السنّة وحي من الله, كما أنّ القرآن كذلك، ولا مانع من نسخ وحي بوحي, لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى12, فلا لا مانع عقلي ولا شرعي من نسخ الكتاب بالسنّة13.

وقد اختلف القائلون بإمكانية وقوع هذا النحو من النسخ، في فعليّة وقوعه, فذهب بعضهم إلى عدم وقوعه فعلاً14، وذهب آخرون إلى وقوعه فعلاً، من قبيل: آية الإمتاع إلى الحَول بشأن المتوفّى عنها زوجها, فإنّها ـ بظاهرها ـ لا تتنافى وآية العِدَد والمواريث، غير أنّ السُنّة القطعية وإجماع المسلمين أثبتا نسخها بآية العِدَد والمواريث15. نعم إنّ نسخ مفاد آية بآخبار آحاد غير ممكن في نفسه, لأنّ من شروط الدليل الناسخ أن يكون بمستوى الدليل المنسوخ16.

3- شُبهات في النسخ:

أ- الشبهة الأولى: إنّ وجود آية منسوخة في القرآن ربّما يسبّب اشتباه المكلّفين، فيظنّونها آية محكَمة يعملون بها أو يلتزمون بمفادها، الأمر الذي يكون إغراءً بالجهْل, وهو قبيح.
الجواب عنها: إنّ مضاعفات جهل كلّ إنسان تعود إلى نفسه، ولم يكن الجهل

308
يوماً ما عُذراً مقبولاً لدى العقلاء, فإذا كانت المصلحة تستدعي نسْخ تشريع سابق بتشريع لاحِق، فعلى المكلّفين أن يتنبّهوا هم إلى هذا الاحتمال في التشريع، ولا سيّما إذا كان التشريع في بدْء حركة إصلاحيّة آخذة في التدرّج نحو الكمال. وهكذا كان في القرآن: ناسخ ومنسوخ، وعامّ وخاصّ، ومطلق ومقيّد، ومحكَم ومتشابه، وليس لأحد الأخذ بآية حتّى يتحقّق من أمرها17.

ب- الشبهة الثانية:
إنّ الالتزام بوجود آيات ناسخة ومنسوخة في القرآن يستدعي وجود تنافٍ بين آياته الكريمة, الأمر الذي يناقضه قوله تعالى:
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا18.

الجواب عنها:
إنّ الاختلاف الذي تنفيه الآية هو الاختلاف الواقعي، لا الظاهري الشكلي, الذي يرتفع في مورد الناسخ والمنسوخ، بعد ملاحظة زمن نزولهما والمناسبات والمصالح المستدعية لنزول الأولى ثمّ الثانية19.

ج- الشبهة الثالثة:
ما هي الحكمة وراء ثبت آية في المصحف هي منسوخة الحكم, لتبقى مجرّد ألفاظ مقرؤة؟

الجواب عنها:
إنّ الحكمة وراء وجود آيات منسوخة تكمن في الوقوف على مرونة الشريعة ومجاراتها للبيئة الاجتماعية، على اختلاف الزمان والمكان، في تدرّج تصاعدي, حتى يتسنّى للناس الالتزام بها والسير مع تدرّجها سيراً يسيراً غير طفروي.

أضف إلى ذلك أنّ الاستفادة من الآية المنسوخة ليست محصورة في خصوص كونها دليلاً على الحكم الشرعي فقط، بل لها حقائق عظيمة وبواطن جليلة خافية علينا لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم20.

309
4- عدد الآيات الناسخة والمنسوخة:
اختُلِفَ في عدد الآيات الناسخة والمنسوخة, تبعاً لاختلاف الأقوال في إمكانية وقوع النسخ وفعليّة وقوعه وشروطه وأقسامه وأنحائه, على أقوال هي:
أ- عدم وجود آيات ناسخة أو منسوخة في القرآن21.

ب- وجود عدد قليل من الآيات الناسخة والمنسوخة، من هذه الأقوال:
- آية النجوى فقط22.
- 10 آيات، هي: آية النجوى، وآية عدد المقاتلين، وآية الإمتاع، وآية جزاء الفحشاء، وآية التوارث بالإيمان، وآيات الصفح، وآيات المعاهدة، وآيات تدريجية تشريع القتال23.
- 21 آية، منها: الآيات المتقدّم ذِكْرُها24.

ج- وجود عدد كبير من الآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن25.



يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:48 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 28-07-2018 11:58 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه
1- القرآن الكريم.
2- النيسابوري، صحيح مسلم، ج4، ص17
3- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج2، ص32، 35، 37-39.
4- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص56، 58-66.
5- الخوئي، البيان في تفسير القرآن، ص285-287، 373-380.
6- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج2، ص275-287، 292-295.
7- ابن حنبل، مسند أحمد، ج5، ص132.
8- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج2، ص152-153، 169-170، 184-190، 197-212.
9- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج5، ص275-276.
10- الصالح، مباحث في علوم القرآن، ص273-274.

هوامش
1- انظر: النيسابوري، صحيح مسلم، م.س، ج4، ص176, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص39, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص58.
2- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص285-286, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص275-279.
3- انظر: ابن حنبل، مسند أحمد، م.س، ج5، ص132, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص35, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص66.
4- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص285-286, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص279-282.
5- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص37-39, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص58-66, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص286.
6- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص32, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص56, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص184, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص286-287, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص283-285.
7- سورة المجادلة، الآية: 12.
8- سورة المجادلة، الآية: 13.
9- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص286-287, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص283-285.
10- انظر: الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص32, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص56, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص184-189.
11- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج5، ص275-276.
12- سورة النجم، الآيتان: 3-4.
13- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص56, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص286.
14- انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص188-190.
15- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص60, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص283.
16- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص283.
17- انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص170, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص292-293.
18- سورة النساء، الآية: 82.
19- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص293-294.
20- انظر: الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص152-153، 169-170, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص294-295.
21- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج2، ص295.
22- انظر: السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص373-380.
23- الصالح، مباحث في علوم القرآن، م.س، ص273-274.
24- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص60-65, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص199-212.
25-انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص58-60, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص197.
26- سورة البقرة، الآية: 109.
27- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص257.
28- سورة التوبة، الآية: 29.
29-سورة البقرة، الآية: 234.
30- سورة البقرة، الآية: 240.
31- سورة النساء، الآية: 12.
32- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م. س، ج 2، ص 247.
33- سورة المجادلة، الآية: 12.
34- سورة المجادلة، الآية: 13.
35- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج19، ص189, السيد الخوئي، البيان في تفسير القرآن، م.س، ص373-380.

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:49 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 28-07-2018 11:58 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 21

- معنى المحكم:
أ- المعنى اللغوي:
الحاء والكاف والميم أصل واحد, وهو: "المنع"1. و"المحكم": ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ، ولا من حيث المعنى2. وعليه، فالمحكم هو ما كان ذا دلالة واضحة، بحيث لا يحتمل وجوهاً من المعاني.

ب- المعنى الاصطلاحي:
ذُكِرَت للمحكم تحديدات عدّة، منها: ما أنبأ لفظه عن معناه من غير أن ينضم إليه أمر لفظ يبيّن معناه, سواء أكان اللفظ لغوياً أم عرفياً، ولا يحتاج إلى ضرب من ضروب التأويل3. والمحكم ما استقلّ بنفسه4. والمحكمات هي آيات واضحة المُراد، ولا تشتبه بالمعنى غير المُراد، ويجب الإيمان بهذا النوع من الآيات والعمل بها... والآيات المحكمات مشتملة على أمّهات المطالب، ومطالب بقية الآيات متفرّعة ومترتّبة عليها5، وغيرها من التحديدات6.

317
2- معنى المتشابه:
أ- المعنى اللغوي:
"الشين والباء والهاء أصل واحد يدلّ على تشابه الشيء وتشاكله لوناً ووصفاً... والمشبّهات من الأمور المشكلات، واشتبه الأمران إذا أشكلا"7. و"الْمُتَشَابِه من القرآن: ما أُشكِلَ تفسيره لمشابهته بغيره, إمّا من حيث اللَّفظ، وإمّا من حيث المعنى"8.

ب- المعنى الاصطلاحي:
ذُكِرَت للمتشابه تحديدات عدّة، منها: "ما كان المراد به لا يُعرَف بظاهره، بل يحتاج إلى دليل, وهو ما كان محتملاً لأمور كثيرة أو أمرين، ولا يجوز أن يكون الجميع مراداً, فإنّه من باب المتشابه"9. و"المتشابه ما لا يستقلّ بنفسه إلا بردّه إلى غيره"10. و"الآيات المتشابهة هي آيات ظاهرها ليس مُراداً، ومُرادها الواقعي الذي هو تأويلها لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم، ويجب الإيمان بها، والتوقّف عن اتّباعها، والامتناع عن العمل بها... والآيات المتشابهة منجهة المدلول والمُراد ترجع للآيات المحكمة، وبمعرفة المحكمات يُعرَف معناها الواقعي... فالمتشابه هو الآية التي لا استقلال لها في إفادة مدلولها، ويظهر بواسطة الردّ إلى المحكمات، لا أنّه ما لا سبيل إلى فهم مدلوله"11، وغيرها من التحديدات12.

3- تحقيق وجود آيات متشابهات
:
وقع الاختلاف في أصل وجود آيات متشابهات في القرآن13، ويمكن الكلام فيه بالتالي:

318
أ- عدم وجود المتشابهات في القرآن: إنّ القرآن كتاب هداية عامّة لكلّ الناس:
﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾14، ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾15, فلا وجود فيه لآيٍ متشابهة بالذات. وأمّا التعبير بالتشابه في آيِ القرآن, فهو بمعنى التشابه بالنسبة إلى أُولئك الزائغين الذين يحاولون تحريف الكلِم عن مواضعه.

والواقع:
أنّ اشتمال الآية على ذِكْر التفصيل بعد الإحكام دليل على أنّ المراد بالإحكام حال من حالات الكتاب كان عليها قبل النزول, وهي كونه واحداً لم يطرأ عليه التجزّي والتبعّض بعد, بتكثّر الآيات, فهو إتقانه قبل وجود التبعّض. فهذا الإحكام وصف لتمام الكتاب، بخلاف وصف الإحكام والإتقان الذي لبعض آياته بالنسبة إلى بعض آخر, من جهة امتناعها عن التشابه في المراد. قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فلمّا كان قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ مشتملاً على تقسيم آيات الكتاب إلى قسمي: المحكم والمتشابه، علمنا به أنّ المراد بالإحكام غير الإحكام الذي وُصِفَ به جميع الكتاب في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. وكذا المراد بالتشابه فيه غير التشابه الذي وُصِفَ به جميع الكتاب في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾16 17.

ب- وجود المتشابهات في القرآن
: يشتمل القرآن الكريم على آيات متشابهات, كما هو مشتمل على آيات محكَمات، لقوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، وقد تقدّم وجه دلالتها على وجود المحكم والمتشابه من الآيات.
319
وادّعى البعض أنّ جميع آي القرآن متشابهات، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾18.

والواقع:
أنّ المراد بالتشابه في الآية السابقة هو كون آيات الكتاب ذات نسق واحد, من حيث جزالة النظم، وإتقان الأسلوب، وبيان الحقائق، والحكم، والهداية إلى صريح الحقّ, كما تدلّ عليه القيود المأخوذة في الآية. فهذا التشابه وصف لجميع الكتاب، وأمّا التشابه المذكور في قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فمقابلته لقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وذِكْر اتباع الذين في قلوبهم زيغ لها ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل, كل ذلك يدلّ على أنّ المُراد بالتشابه: كون الآية بحيث لا يتعيّن مرادها لفهم السامع بمجرّد استماعها، بل يتردّد بين معنى ومعنى, حتى يرجع إلى محكمات الكتاب, فتُعيّن هي معناها وتبيّنها بياناً, فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها19.

4- ضرورة معرفة المحكم والمتشابه:

إنّ لمعرفة المحكم والمتشابه بالغ الأثر في فهم القرآن الكريم، حيث إنّ القرآن يشتمل على آيات محكمات تحوي أصول المعارف القرآنية المسلّمة والواضحة، وأُخَر متشابهات تتعيّن وتتّضح معانيها بإرجاعها إلى تلك الأصول. وهذا الإرجاع يحتاج إلى دراية وعلم خاصّ بالمحكم والمتشابه:
عن الإمام الصادق عليه السلام: "قال الله سبحانه:
﴿...وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ...﴾20, وذلك أنّهم ضربوا بعض القرآن ببعض، واحتجوا بالمنسوخ، وهم يظنون أنّه الناسخ، واحتجّوا بالمتشابه وهم يرون أنّه المحكم...
320
ولم يعرفوا موارده ومصادره, إذ لم يأخذوه عن أهله, فضلوا وأضلوا. واعلموا رحمكم الله: أنّه من لم يعرف من كتاب الله عزّ وجلّ الناسخ من المنسوخ، والخاصّ من العامّ، والمحكم من المتشابه... فليس بعالم بالقرآن، ولا هو من أهله..."21.

وعن الإمام الرضا عليه السلام: "من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه, هُدِيَ إلى صراط مستقيم... إنّ في أخبارنا متشابهاً, كمتشابه القرآن، ومحكماً, كمحكم القرآن, فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها, فتضلّوا"22.

5- أسباب وجود المتشابهات في القرآن؟
إنّ لوجود المتشابهات في القرآن أسباب عدّة23، منها:
أ- مجاراة القرآن في إلقاء معارفه العالية لألفاظ وأساليب دارجة، لم تكن موضوعة إلا لمعانٍ محسوسة أو قريبة منها، ومن ثمَّ لم تكن تفي بتمام المقصود، فوقع التشابه فيها وخفيَ وجه المطلوب على الناس، إلاّ على الراسخين في العلم منهم.

ب- القرآن حمّال ذو وجوه, لاعتماده في أكثر تعابيره البلاغية على أنواع من المجاز والاستعارة والتشبيه. قال الإمام علي عليه السلام لابن عبّاس ـ لمّا بعَثه للاحتجاج على الخوارج: "لا تخاصمهم بالقرآن, فإنّ القرآن حمّال ذووجوه، تقول ويقولون، ولكن حاجِجهم بالسُنَّة فإنَّهم لن يجدوا عنها محيصاً".

ج- إنّ البيانات اللفظية القرآنية أمثال للمعارف الحقّة الإلهية, لأنّ البيان نزل في سطح هذه الآيات إلى مستوى الأفهام العامّة التي لا تدرك إلا الحسيّات، ولا تنال المعاني الكلّيّة إلا في قالب الجسمانيّات، ولما استلزم ذلك في إلقاء المعاني الكلّيّة

321
المجرّدة من عوارض الأجسام أحد محذورين، فإنّ الأفهام في تلقّيها المعارف إن جمدت في مرحلة الحسّ انقلبت الأمثال بالنسبة إليها حقائق ممثّلة، وفيه بطلان الحقائق وفوت المقاصد.

6- نماذج من آيات محكمات وأُخَر متشابهات
24:
أ- آيات الصفات الإلهية:
- نماذج من آيات الصفات المتشابهات: وهي بظهورها الأوّلي فيها شبهة التجسيم، ومن هذه الآيات: قوله تعالى:
﴿...ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ...﴾25، ﴿...ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ...﴾26، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾27، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء...﴾28، ﴿...يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ...﴾29، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾30، ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾31...

- نماذج من آيات الصفات المحكمات: وهي ترفع الظهور الأوّلي للآيات المتشابهات وتبيّن مقصودها الحقيقي، وتزيل عن الذهن شبهة التجسيم، ومن هذه الآيات: قوله تعالى:
﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾32، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾33...
322
ب- آيات الأفعال الإلهيّة:
- نماذج من آيات الأفعال المتشابهات: وهي بظهورها الأوّلي تفيد الجبر وعدم الاختيار، وتنسب هدى الإنسان أو ضلاله إلى الله، وتعتبر مشيئة الله منشأ الإيمان والكفر والسعادة والشقاء، ومن هذه الآيات: قوله تعالى:
﴿...فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء...﴾34،﴿...يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً...﴾35، ﴿...فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء...﴾36، ﴿...مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ...﴾37، ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ...﴾38...

- نماذج من آيات الأفعال المحكمات: وهي ترفع الظهور الأوّلي للآيات المتشابهات، وتبيّن مقصودها الحقيقي، وتدلّ بكلّ وضوح على أنّ العناية الربّانية تأخذ بيد المؤهَّل لتلقّي الفيض والرحمة الإلهية، ويحرم منها المعرضون عن ذِكْر الله، وأنّ الإنسان موجود مختار، وسعادته وشقاؤه رهن إرادته، ومن هذه الآيات: قوله تعالى:
﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ﴾39، ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ...40, ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ...41، ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ...42، ﴿...لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ...43، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ
323
يُرَى44، ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ...45، ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ...46، ﴿...إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا47، ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا...48...


يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:50 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 28-07-2018 11:58 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه
1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج2، ص91, ج3، ص243.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص251، 443.
4- الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، ج1، ص9-10.
5- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص5-7، 13-21، 30-32.
6- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص52, ج2، ص102-104، 314-341, ج3، ص20-23، 29، 32-42، 58-62, ج8، ص236-243, ج13، ص301-302, ج19، ص86-88.
7- الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ص43، 46، 48.
8- الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج2، ص68-71، 75-76.
9- الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، ج2، ص215-219، 223-225.
10- المجلسي، بحار الأنوار، ج90، باب128، خطبة رسالة النعماني، ص3-4.
11- الصدوق، عيون أخبار الرضا عليه السلام ، ج1، باب28، ح39، ص261.
12- معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج3، ص71-368.

هوامش
1- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج2، مادّة"حكم"، ص91.
2- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرأن، م.س، مادّة"حكم"، ص251.
3- الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص9.
4- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص6.
5- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص21-23، 29, القرآن في الإسلام، م.س، ص43، 46.
6- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص32-41, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص68-69, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص5-7, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص215-219.
7- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج3، مادّة"شبه"، ص243.
8- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة"شبه"، ص443.
9- الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص10.
10- السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص6.
11- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص21-23، 29, القرآن في الإسلام، م.س، ص43، 46، 48.
12- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص32-42, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص69-71, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص5-7, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص215-219.
13- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص5.
14- سورة آل عمران، الآية: 138.
15- سورة هود، الآية: 1.
16- سورة الزمر، الآية: 23.
17- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص20.
18- انظر: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص5.
19- انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص21.
20- سورة المائدة، الآية: 13.
21- انظر: العلامة المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج90، باب128، خطبة رسالة النعماني، ص3-4.
22- ابن بابويه، محمد بن علي بن الحسين(الصدوق): عيون أخبار الرضا عليه السلام ، تصحيح وتعليق وتقديم حسين الأعلمي، لاط، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1404هـ.ق/ 1984م، ج1، باب28، ح39، ص261.
23- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص58-62, الزركشي، البرهان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص75-76, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص30-32, الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص223-225.
24- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج1، ص52, ج2، ص102-104، 314-341, ج8، ص236-243, ج13، ص301-302, ج19، ص86-88, السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، م.س، ج2، ص13-21, معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج3، ص71-368.
25- سورة فصّلت، الآية:11.
26- سورة الأعراف، الآية: 54, يونس: 3, الرعد: 2, الفرقان: 59, السجدة: 4, الحديد: 4.
27- سورة طه، الآية: 5.
28- سورة المائدة، الآية: 64.
29- سورة الفتح، الآية: 10.
30- سورة القيامة، الآيتان: 22-23.
31- سورة الفجر، الآية: 22.
32- سورة الأنعام، الآية: 103.
33- سورة الشورى، الآية: 11.
34- سورة فاطر، الآية: 8.
35- سورة البقرة، الآية: 26.
36- سورة إبراهيم، الآية: 4.
37- سورة الأنعام، الآية: 111.
38- سورة الأنعام، الآية: 107.
39- سورة عبس، الآيتان: 11-12.
40- سورة الكهف، الآية: 29.
41- سورة الزمر، الآية: 41.
42- سورة البقرة، الآية: 256.
43- سورة الأنفال، الآية: 42.
44- سورة النجم، الآيتان: 39-40.
45- سورة غافر، الآية: 17.
46- سورة البقرة، الآية: 286.
47- سورة الكهف، الآية: 30.
48- سورة الملك، الآية: 2.
49- انظر: معرفة، التمهيد في علوم القرآن، م.س، ج3، ص12-13.
50- سورة الأنعام، الآية: 125 .
51- سورة البقرة، الآية: 31 .
52- سورة الأنفال، الآية: 17 .
53- سورة التوبة، الآية: 37.
54- سورة النمل، الآية: 82.
55- سورة الرعد، الآية: 41.

الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:50 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 28-07-2018 11:58 PM

الجنس:

الإقامة:

دروس في علوم القران 22

معنى التأويل:
أ- المعنى اللغوي:
الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر، وانتهاؤه... ومن هذا الباب: تأويل الكلام, وهو عاقبته، وما يؤول إليه, وذلك قوله تعالى:
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾1. والتأويل من الأَوْل, أي: الرجوع إلى الأصل، ومنه: المَوْئِلُ للموضع الذي يرجع إليه, وذلك هو ردّ الشيء إلى الغاية المرادة منه, علما كان أم فعلاً، ففي العلم نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾2، وفي الفعل نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾3, أي: بيانه, الذي غايته المقصودة منه4.

ب- المعنى الاصطلاحي:
اختلف العلماء والمفسّرون في تحديد المعنى الاصطلاحي للتأويل، على أقوال عدّة5، منها:

333
- التأويل هو التفسير نفسه6, وهو المراد من الكلام.
- ولازم هذا القول أن يكون بعض الآيات القرآنية ممّا لا تنال أفهام عامّة الناس المراد من مداليلها اللفظية، وهو خلاف دعوة القرآن إلى التدبّر فيه، وأنّه مُنزَّل من عند الله ليعقله الناس ويفهموه. ومجرّد كون التأويل مشتملاً على معنى الرجوع وكون التفسير فيه شيء من معنى الرجوع, لا يُوجِب كون التأويل هو التفسير.

- التأويل هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ7.
- ولازم هذا القول إبطال الاحتجاج الواقع في قوله تعالى:
﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾8, حيث يمكن إرجاع كلّ كلام ظاهره كذب وباطل إلى الصدق والحقّ بالتأويل والصرف عن ظاهره.

- التأويل معنى من معاني الآية، ليس خلاف ظاهر اللفظ، ومرجعه إلى أنّ للآية المتشابهة معانٍ متعدّدة بعضها تحت بعض، منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الأفهام، ومنها ما هو أبعد منه.

- ولازم هذا القول لا يتلاءم مع قوله تعالى في وصف التأويل:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ... فانّ المعارف العالية والمسائل الدقيقة لا يختلف فيها الأذهان، من حيث التقوى وطهارة النفس، بل من حيث الحدّة وعدمها، وإن كانت التقوى وطهارة النفس معينين في فهم المعارف الطاهرة الإلهية، لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلّيّة, كما هو ظاهر قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ....

- التأويل ليس من قبيل المعاني المُرادة باللفظ، بل هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام.
ولازم هذا القول، على فرض رجوع الضمير في قوله تعالى:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
334
إِلاَّ اللّهُ... إلى الكتاب, أنّ كلّ أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام حتى مصاديق الأخبار الحاكية عن الحوادث الماضية والمستقبلة يُعدّ تأويلاً للكلام، والحال أنّ مثل هذه الأخبار لا ينحصر علمها بالله تعالى وبالراسخين في العلم. وعللا فرض رجوع الضمير إلى خصوص المتشابهات, فإنّ ذلك يؤدّي إلى حصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم في خصوص آيات الصفات وآيات القيامة. والواقع: أنّ لا وجه لحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات والقيامة, فإنّ الفتنة والضلال كما توجد في تأويلها يوجد في تأويل غيرها من آيات الأحكام والقصص وغيرهما.

- التأويل هو الحقيقة الواقعية9 التي تستند إليها البيانات القرآنية, من حكم، أو موعظة، أو حكمة، وأنّه موجود لجميع الآيات القرآنية محكمها ومتشابهها، وأنّه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ، بل هو من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ، وإنّما قيّدها الله سبحانه بقيد الألفاظ, لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب, فهي كالأمثال تُضرَب ليقرَّب بها المقاصد، وتوضَّح بحسب ما يناسب فهم السامع, كما قال تعالى:
﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾10.

2- التأويل في القرآن:

وردت مفردة التأويل ستّ عشرة مرّة في القرآن11، وفي جميع هذه الموارد أُرِيدَ بها الحقيقة الواقعية والخارجيّة التي تستند إليها البيانات القرآنيّة، ومن هذه الموارد:
أ- التأويل في قصّة النبي يوسف عليه السلام: قال تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ
335
مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ...﴾12، ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ...﴾13، ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي...﴾14، ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾15، ﴿...يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا...﴾16، ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ...﴾17، وقدّ عبر القرآن الكريم في ثلاثة مواضع من سورة يوسف عن تعبير الرؤيا بكلمة التأويل. والظاهر أنّ تعبير الرؤيا ليس معنى خلاف الظاهر للرؤيا، بل هو حقيقة خارجية تُرَى في النوم بشكل مخصوص, كأن رأى يوسف عليه السلام تعظيم أبيه وأمّه وأخوته بشكل سجدة الشمس والقمر والنجوم له، ورأى ملك مصر سنوات القحط في صورة سبع بقرات عجاف يأكلن سبعاً سماناً، ورأى صاحبا يوسف عليه السلام في السجن الصلب وخِدمَة الملك في صورة عصر الخمر وحمل الخبز على الرأس تأكل الطير منه.

ب- التأويل في قصّة النبي موسى عليه السلام والخضر عليه السلام: قال تعالى:
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾18، فبعد أن خرق الخضر عليه السلام السفينة وقتل الغلام وهدم الجدار، احتجّ عليه النبي موسى عليه السلام في كلّ مرّة، فذكر له الخضر عليه السلام السرّ الكامن وراء أفعاله وحقيقة أعماله، وأسماه التأويل.

ج- التأويل في الكيل والوزن: قال تعالى:
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ
336
خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾19، حيث إنّ المراد بالتأويل في الكيل والوزن هو خصوص وجود وضع اقتصادي في السوق بواسطة البيع والشراء والنقل والانتقال. والتأويل بهذا المعنى ليس معنى خلاف الظاهر من الكيل والوزن، بل هو حقيقة خارجية، وروح أُوجِدَت في الكيل والوزن تقوى وتضعف بواسطة استقامة المعاملة وعدم استقامتها.

د- التأويل في الاحتكام عند التنازع: قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾20. ومن الواضح أنّ المراد من التأويل في هذه الآية هو ثبات الوحدة وإقامة علاقات روحية في المجتمع. وهذه حقيقة خارجية وليست معنى خلاف الظاهر لردع النزاع.

وغيرها مواضع أخرى من القرآن الكريم وردت فيها مفردة التأويل، وأُريد بها الحقيقة الواقعية والخارجية، وليس ما هو من قبيل المعنى والمفهوم من اللفظ. فتأويل كلّ شيء حقيقة ينبع منها ذلك الشيء، ويكون ذلك الشيء بدوره محقّقاً. كما أنّ صاحب التأويل هو محيى التأويل، وظهور التأويل يكون بواسطة صاحب التاويل. وهذا المعنى جار في القرآن الكريم, لأنّ هذا الكتاب المقدّس يستمدّ من منابع حقائق ومعنويات محرّرة من قيد المادّة, وهي أعلى مرتبة من الحسّ والمحسوس، وأوسع من قوالب الألفاظ والعبارات التي هي نتيجة حياتنا المادية. فهذه الحقائق والمعنويات بحسب الحقيقة لا يمكن التعبير عنها بألفاظ محدودة، وإنّما هي إلفات للبشرية من عالم الغيب إلى ضرورة استعدادهم للوصول إلى السعادة بواسطة الالتزام بظواهر العقائد الحقّة والأعمال الصالحة، ولا طريق للوصول إلى تلك السعادة إلا بهذه الظواهر، وعندما ينتقل الإنسان إلى العالم الآخر تتجلى له الحقائق

337
المكشوفة، وهذا ما يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾21، حيث إنّ وراء ما نقرأه ونعقله من القرآن أمراً هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد، والمتمثّل من المثال, وهو الذي يسمّيه تعالى بالكتاب الحكيم, وهو الذي تعتمد وتتكىء عليه معارف القرآن المنزَّل ومضامينه، وليس من سنخ الألفاظ المفرَّقة المقطّعة، ولا المعاني المدلول عليها بها. وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه, لانطباق أوصافه ونعوته عليه22.
3- هل تأويل القرآن مختصّ بالله تعالى؟
اختلف المفسّرون في هذه المسألة، فمنهم من ذهب إلى اختصاص تأويل القرآن بالله تعالى، ومنهم من ذهب إلى أنّ الراسخين في العلم لهم نصيب من العلم بتأويل القرآن.
ومنشأ الخلاف الواقع بينهم يرجع إلى اختلافهم في تفسير قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ﴾23، وهل أنّ الواو في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا هي للعطف أم للاستئناف؟

والواقع:
أنّ الآية بقرينة صدرها وذيلها وما تتلوها من الآيات إنّما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى: المحكم والمتشابه، وتفرّق الناس في الأخذ بها، فهُمْ بين

338
مائل إلى اتّباع المتشابه لزيغ في قلبه، وثابت على اتّباع المحكم والإيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه، فإنّما القصد الأوّل في ذِكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذُكِرَ من حال الزائغين وطريقتهم وذمّهم، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأوّل، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك، فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ من غير ناقض ينقضه, مِن عطف، أو استثناء، وغير ذلك، فالذي تدلّ عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى واختصاصه به. لكنّه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدلّ على علم غيره تعالى به, بإذنه, كما في نظائره, مثل: العلم بالغيب: قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾24، وقال تعالى: ﴿...إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ...﴾25، وقال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ...﴾26, فدلّ جميع ذلك على الحصر، ثمّ قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾27, فأثبت ذلك لبعض مَن هو غيره, وهو من ارتضى مِن رسول, ولذلك نظائر في القرآن، ومن هذه النظائر علم التأويل، حيث قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾28. ويظهر جليّاً من هذه الآيات أنّ للقرآن الكريم مقامان: مقام مكنون محفوظ من المسّ، ومقام التنزيل الذي يفهمه كلّ الناس. والفائدة الزائدة التي نستفيدها من هذه الآيات ولم نجدها في الآيات السابقة هي الاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ الدالّ على أنّ هناك بعض مَن يمكن أن يدرِك حقائق
339
القرآن وتأويله. وهذا الإثبات لا ينافي النفي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ, لأنّ ضمّ إحداهما إلى الأخرى ينتج الاستقلال والتبعية, أي يُعرَف منها استقلال علمه تعالى بهذه الحقائق، ولا يعرفها أحد إلا بإذنه عزّ شأنه وبتعليم منه.

وبضميمة قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾29 الوارد في حقّ أهل البيت عليهم السلام, بحسب روايات متواترة، نعلم أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام هم المطهّرون العالمون بتأويل القرآن الكريم30.

وأفضل الراسخين في العلم هو: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ثمّ الإمام علي عليه السلام, ثمّ الأئمّة عليهم السلام من ولده: عن الإمام الباقر عليه السلام: "أفضل الراسخين في العلم: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, قد علِمَ جميع ما أنزلَ الله في القرآن من التنزيل والتأويل، وما كان الله ليُنزل عليه شيئاً لم يُعلِّمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه"31. وعن الإمام الصادق عليه السلام: "إنَّ الله علّم نبيّه التنزيل والتأويل، فعلّم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليّاً، وعلّمنا، والله"32. وعنه عليه السلام - أيضاً -: "نحن الراسخون في العلم، فنحن نعلم تأويله"33.



يتبع


الرد مع إقتباس
قديم 28-01-2016, 11:51 PM
عباس محمد س عباس محمد س غير متصل
عضو نشط وفعّال
 

رقم العضوية : 108216

تاريخ التّسجيل: Jan 2015

المشاركات: 2,025

آخر تواجد: 28-07-2018 11:58 PM

الجنس:

الإقامة:

مصادر الدرس ومراجعه
1- القرآن الكريم.
2- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج1، ص158-162.
3- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص99.
4- الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج3، ص44-55.
5- القرآن في الإسلام، ص49-57.
6- روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، م.س، ج 2، ص 480.
7- القمي، تفسير القمي، ج1، ص96-97.
8- الكليني، الكافي، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّ الراسخين في العلم هم الأئمّة عليهم السلام ، ح1، ص213, ج7، كتاب الأيمان...، باب ما لا يلزم من الأيمان...، ح15، ص442.

هوامش
1- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، م.س، ج1، مادّة"أَوَلَ"، ص158-162.
2- سورة آل عمران، الآية: 7.
3- سورة الأعراف، الآية: 53.
4- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، م.س، مادّة "آل"، ص99.
5- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص44-49, القرآن في الإسلام، م.س، ص49-53.
6- هذا القول منسوب إلى مشهور المتقدّمين من العلماء والمفسّرين.
7- هذا القول منسوب إلى مشهور المتأخّرين من العلماء والمفسّرين.
8- سورة النساء، الآية: 82.
9- هذا القول هو للعلامة السيد الطباطبائي قدس سره. انظر: السيد الطباطبائي، الميزان، في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص49.
10- سورة الزخرف، الآية: 2-4.
11- روحاني، المعجم الإحصائي لألفاظ القرآن الكريم، م.س،ج 2، ص 480.
12- سورة يوسف، الآية: 6.
13- سورة يوسف، الآية: 21.
14- سورة يوسف، الآيتان: 36-37.
15- سورة يوسف، الآية: 45.
16- سورة يوسف، الآية: 100.
17- سورة يوسف، الآية: 101.
18- سورة الكهف، الآية: 78.
19- سورة الإسراء، الآية: 35.
20- سورة النساء، الآية: 59.
21- سورة الزخرف، الآيات: 2-4.
22- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص54, القرآن في الإسلام، م.س، ص51-55.
23- سورة آل عمران، الآية: 7.
24- سورة النمل، الآية: 65.
25- سورة يونس، الآية: 20.
26- سورة الأنعام، الآية: 59.
27- سورة الجن، الآيتان: 26-27.
28- سورة الواقعة، الآيات: 75-80.
29- سورة الأحزاب، الآية: 33.
30- لمزيد من التفصيل، انظر: السيد الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، م.س، ج3، ص49-55, القرآن في الإسلام، م.س، ص56-57.
31- القمي، تفسير القمي، م.س، ج1، ص96-97.
32- الشيخ الكليني، الكافي، م.س، ج7، كتاب الأيمان...، باب ما لا يلزم من الأيمان...، ح15، ص442.
33- م. ن، ج1، كتاب الحجّة، باب أنّ الراسخين في العلم هم الأئمّة عليهم السلام ، ح1، ص213.
34- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، م.س، ج4، كتاب أبواب تأويل الآيات...، باب 5 نفي الرؤية وتأويل الآيات فيها، ص54-56.

الرد مع إقتباس
المشاركة في الموضوع

يمكن للزوار التعليق أيضاً وتظهر مشاركاتهم بعد مراجعتها



عدد الأعضاء الذي يتصفحون هذا الموضوع : 1 (0 عضو و 1 ضيف)
 
خيارات الموضوع بحث في هذا الموضوع
بحث في هذا الموضوع:
 
بحث متقدم
طريقة العرض

قوانين المشاركة
لا بإمكانك إضافة موضوع جديد
بإمكانك إضافة مشاركات جديدة
لا بإمكانك إضافة مرفقات
لا بإمكانك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
الإنتقال السريع :


جميع الأوقات بتوقيت بيروت. الساعة الآن » [ 01:02 AM ] .
 

تصميم وإستضافة الأنوار الخمسة © Anwar5.Net

E-mail : yahosein@yahosein.com - إتصل بنا - سجل الزوار

Powered by vBulletin